يعاني أكثر من 2000 طفل مصاب بأمراض الدم في محافظة مطروح من عدم الحصول على الأدوية اللازمة من فرع التأمين الصحي المحلي منذ مايو الماضي، بعدما توقف الاستشاري الوحيد المتخصص في أمراض الدم للأطفال بالمحافظة عن الحضور لفحص المرضى وتحديد جرعات العلاج، وفقًا لما نقلته مصادر محلية وطبية إلى المنصة. 


وذكر الكاتب محمد عبد المطلب في تقرير نشره موقع المنصة تعكس الأزمة نقصًا أوسع في الأطباء المتخصصين بالمحافظات الحدودية، إلى جانب ضعف الحوافز المالية التي تجعل استقطاب الأطباء المتخصصين أو تدريب الأطباء المقيمين لسد العجز أمرًا بالغ الصعوبة، بحسب مصدر طبي رفيع المستوى بفرع التأمين الصحي في مطروح.


وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، إن مطروح تعتمد بصورة كاملة على استشاري واحد في أمراض دم الأطفال من جامعة الإسكندرية، يزور فرع التأمين الصحي عادة مرة واحدة شهريًا لفحص الأطفال ومتابعة حالاتهم.


وأضاف: «لكن بسبب عملها أستاذة في الجامعة، لم تتمكن من الحضور إلى فرع المحافظة منذ مايو»، موضحًا أن غيابها حال دون صرف الأدوية للأطفال، وأجبر أسرهم على التوجه إلى فرع التأمين الصحي في الإسكندرية لإجراء الفحوصات والحصول على الجرعات العلاجية.


رحلة 300 كيلومتر أو تحمل تكلفة العلاج


دفعت الأزمة مئات الأسر إلى الاختيار بين تحمل رحلة شاقة تمتد لنحو 300 كيلومتر إلى الإسكندرية برفقة أطفال مرضى ومرهقين لإجراء الفحوصات والحصول على العلاج، أو شراء الأدوية على نفقتها الخاصة من الصيدليات.


ويشترط التأمين الصحي فحص المريض على يد طبيب يحدد العلاج والجرعة قبل السماح بصرف الدواء.


واختار أمين إبراهيم، الذي يعاني طفلان من بين أبنائه مرض الثلاسيميا، وهو اضطراب وراثي يؤثر في إنتاج الهيموجلوبين، شراء الأدوية من الصيدليات الخاصة بتكلفة تصل إلى 8 آلاف جنيه شهريًا، أي نحو 157 دولارًا، بدلًا من المخاطرة بالسفر إلى الإسكندرية.


وقال إبراهيم لـ«المنصة»: «الأدوية موجودة بالفعل في مخازن التأمين الصحي بمطروح، لكن النظام لا يسمح بصرفها من دون توقيع الاستشاري».

 

وأضاف أنه يفضل تحمل التكلفة المرتفعة للعلاج على خوض الرحلة الصعبة إلى الإسكندرية برفقة طفليه، مع احتمال عدم تمكنهما من مقابلة الطبيب.


وأشار إبراهيم إلى أن الاعتماد على طبيب واحد يزور المحافظة يومًا واحدًا فقط كل شهر يشكل خطرًا كبيرًا على حياة الأطفال، خصوصًا إذا تعرض أحدهم لمضاعفات مفاجئة، إذ تظل الأسر طوال بقية الشهر من دون رعاية طبية متخصصة.


وأقر المصدر الطبي بالتأمين الصحي بأن المشكلة سبقت غياب الاستشاري الحالي، وترجع أساسًا إلى صعوبة العثور على أطباء متخصصين في أمراض الدم.


وقال إن فرع التأمين الصحي تواصل مع عدد من الأطباء لتقديم الخدمة، لكن نقص المتخصصين وضعف الأجر حالا دون ذلك.


ويتقاضى الاستشاريون ما بين 300 و500 جنيه، أي ما يعادل نحو 6 إلى 9 دولارات، عن الزيارة الواحدة، رغم أن الطبيب يقضي يومًا كاملًا في السفر ويفحص نحو 160 طفلًا.


وطالب المصدر محافظ مطروح بالتدخل لتوفير «حزمة حوافز استثنائية» تشمل مكافآت مالية مجدية، إلى جانب دعم لوجستي يتضمن توفير وسائل انتقال آمنة وإقامة مناسبة، لتشجيع الأطباء الاستشاريين على العمل في المحافظة.


ولا يقتصر النقص على استشاريي أمراض الدم، إذ يواجه فرع التأمين الصحي أيضًا عجزًا حادًا في صفوف الأطباء حديثي التخرج.


ولم تنجح أحدث حركة لتوزيع الأطباء المقيمين في سد العجز، ولم يصل أي من الأطباء الذين جرى توزيعهم حديثًا إلى الفرع. كما أدى نقص الصيادلة إلى استعانة الفرع بخريجي كليات العلوم لتقديم بعض خدمات الدعم.


نقص الأطباء يضاعف أزمة أطفال أمراض الدم


تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية لعام 2023 أن كثافة الأطباء في مصر تبلغ 11.8 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة. وتُظهر إحصاءات المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط أن مصر تأتي في مرتبة أدنى من السودان، الذي يسجل 25 طبيبًا لكل 10 آلاف نسمة، وتونس التي تسجل 13.2 طبيب، بينما تتفوق على العراق الذي يسجل 10.1 طبيب، والمغرب بـ8.7 طبيب، واليمن بـ1.1 طبيب.


وبعد تلقي شكاوى الأسر بشأن غياب الاستشاري، أعد فرع التأمين الصحي في مطروح مذكرة تفصيلية لشرح الأزمة ورفعها إلى قيادات الهيئة الثلاثاء.


واقترحت المذكرة إعفاء الأطفال المصابين بأمراض الدم في المحافظة من النظام الحالي، والسماح لهم بالحصول على علاج يكفي ستة أشهر دفعة واحدة، على أن يراجعوا الاستشاري مرة واحدة كل ستة أشهر لتعديل الجرعات وفقًا لنتائج الفحوصات الدورية، بحسب المصدر.


ويرى فرع التأمين الصحي أن المقترح سيضمن استمرار حصول الأطفال على الأدوية من دون انقطاع، كما سيخفف عن الأسر عبء السفر المتكرر إلى الإسكندرية، إلى حين التوصل إلى حل طويل الأمد لنقص الاستشاريين في المحافظة الحدودية.


وتكشف أزمة أطفال مطروح بذلك جانبًا من مشكلة أوسع تتعلق بتوزيع الكوادر الطبية في مصر، إذ لا يكفي وجود الدواء داخل مخازن التأمين الصحي لضمان وصوله إلى المريض، إذا حالت إجراءات صرفه ونقص الأطباء المتخصصين دون حصول الأطفال عليه في الوقت المناسب.

 

https://almanassa.com/en/news/33511